يوسف الدموكي يكتب : لهذه الأسباب لا أحب الشتاء

في عالمٍ موازٍ، بدولةٍ يكون الصرف الصحي فيها بنيةً تحتية لا رفاهية، وتُغطى فيها أعمدة الإنارة بما يمنع الصدمات للمارة، ويكون مستوى البالوعات أدنى من مستوى الشارع فتنصرف الأمطار دون أن تتحول إلى سيول، في هذه الحالة، كنتُ سأحب الشتاء، وكنت سأتغزل في جمال المطر، وفي رومانسية الجو، وسأشغل في مكبرات صوتٍ بالميادين الرئيسية أغاني الشتاء بكل اللغات.

لكنني لا أحبه، لأننا لسنا في وضع مثالي لذلك، لا أتعجل قدومه، وإن كان لا بد منه فأسأل الله أن يكون خفيفا، لا يعبر عن نفسه بكامل أشكاله، لا يضج بالرعد ولا يضيء بالبرق ولا يرقص بالأمطار، بل لو استطاع أن يمضي دون أن يعبر عن نفسه على الإطلاق، فليأتِ مشكورا ويذهب مشكورا.

لأن الملابس البالية التي فوق أجساد المرتجفين لا تكفي لرومانسيات الشتاء، ولأن «رجعت الشتوية» ربما تكون في أحد البيوت أغنية مع كوب نسكافيه ساخن، وتكون في كثير من الأماكن كابوسًا يسرّب الصقيع إلى العظام، ويسرب الماء إلى الغرف الآيلة للسقوط، ويقصّر أعمار الذين يلتحفون بما يفترشونه، إن وجدوا شيئا واحدا في تلك الظروف.

في مخيمات على الحدود هنا وهناك، في بيوتٍ من قماش، وعشش من قش، يعيش مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين والنازحين، يخافون من الشتاء طوال الفصول التي قبله، ولا يتعافون منه طوال الشهور التي بعده، المطرُ بالنسبة لهم ليس غوثًا، والثلج ليس أداةً للتزلج، والوحل ليس خفيف الأثر. تكون دقات المطر فوق خيامهم نذير مأساة لا ينامون الليل بسببها، ولا يدفؤون في النهار، ويكون الثلج ليس أبيضَ اليد كما يراه الآخرون في دول العالم المختلفة، وإنما يكون أشد سوادًا لديهم من الطاعون، موتٌ أبيض مثلما كان الطاعون موتًا أسود، يقبض أرواحهم، ينتقي الضعفاء فيقتلهم، ولا يترك الأقوياء، وإنما يضعفهم، ليقبض أرواحهم في العام القادم.

هذا الشتاء الذي نستقبله بصوت فيروز، وبرائحة البُن، وبالعدس الساخن، وبخزانة ملابس مكتظة عن آخرها، يستقبله آخرون على ألحان جنائزية، يستمعون فيه إلى الوصايا الأخيرة، ويحثون التراب فوق وجوه لم يتخيلوا فراقها، ولكن لم تكن لهم حيلة في منع أطراف هؤلاء من التجمد، حتى توقف نبضات القلب، وانقطاع الأنفاس، وفراق الأنفس.

مَن دفعهم إلى ذلك من البداية؟ مَن منعهم من التجمع حول أطباق العدس أمام المدفأة؟ من سحب عنهم الغطاء وهم نيام؟ ومن سرق من عيونهم الدفء؟ الآخرون. لم يكن لهلاء المستضعفين ذنبٌ واحدٌ في كل ما رأوه، الفقر والبرد والمرض والموت، كلها جرائم ارتكبها الآخرون، ووحدهم يدفعون الثمن على حدود البلدان، يحاولون تقليل آثار الهزيمة، لكنهم يعيشون كل يومٍ هزيمة جديدة مع كل رجفة برد، ومع كل صديقٍ أو قريبٍ يفارقهم، ليس برصاصة هذه المرة، وليس بالتعذيب في معسكرات القتل البطيء، وإنما بالقرب منا، من شركاء رحلة البحث عن الأمان والدفء والحرية. القتلة الأوائل نعرفهم، لكن عسانا نحن الذين نقتلهم هذه المرة. وهذه ليست مجرد دعوة إلى إنقاذ هؤلاء المنسيين، ليست مجرد دعوة لجمع أموال نحولها إلى خيامٍ أكثر قدرة على تحمل البرد، وليست مجرد دعوة لشراء أغطية أكثر سمكا من تلك التي لا تدفئ عصفورًا من نسمة هواء باردة، وإنما هي دعوة إلى دفع كفالةٍ تنتشلنا من جريمة وقعنا فيها، وتحررنا من أمام هيئة المحكمة الإنسانية، وتنصفنا أمام ضمائرنا ولو لمرةٍ واحدة، أننا لم ندفأ في أسرّتنا بينما تركناهم يموتون في خيامهم، بعد أيام متواصلة من الجز على الأسنان وارتعاد الأجسام.

على أملٍ أن نغني «رجعت الشتوية» ذات يومٍ معًا، من أمام المدافئ، وليس فينا من يصرخ من البكاء صائحًا «رجعت الشتوية»، بدلا من أن يغنيها.

تبرع الآن لدعم الملايين من الأسر المهجرة والأكثر حاجة

اختر العملة و مبلغ التبرع

الرجاء إدخال مبلغ آخر

$
Back to news